من المنفعة إلى الاستمرارية: لماذا يستمر المستخدم مع تقنيات الذكاء الاصطناعي AI التي تُخفف عنه إتخاذ القرار

منذ أكثر من عقد، أظهرت دراسات في سلوك المستهلك الرقمي، ومنها الكثير من أبحاثي المنشورة في مجلات علمية رسمية، أن الاستمرارية في استخدام أي تقنية لا تُبنى على المنفعة وحدها، بل على المتعة المصاحبة للتجربة. في إحدى هذه الدراسات، تبيّن أن enjoyment يلعب دورًا مباشرًا في تشكيل Continuance Intention، أي أن المستخدم يستمر مع المنصة التي يشعر معها بالارتياح والمتعة، لا تلك التي تكتفي بتقديم وظيفة تقنية صحيحة. هذا المنطق، الذي انطلق من التجارة الإلكترونية والخدمات الرقمية، عاد اليوم ليظهر بوضوح في سياق الذكاء الاصطناعي التفاعلي، وبصورة أكثر نضجًا وتأثيرًا.

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرّد أداة للبحث أو تلخيص المعلومات، بل أصبح شريكًا فعليًا في اتخاذ القرار عبر قطاعات متعددة، من السفر إلى الصحة والتعليم والخدمات المالية. التحول الحقيقي لا يكمن في حجم البيانات التي يقدّمها، بل في قدرته على تخفيف عبء القرار وتقليل التوتر المصاحب له. هذا التحول أكّدته دراسة حديثة نُشرت في International Journal of Tourism Research الصادرة عن Wiley، حلّلت كيف تؤثر خصائص ChatGPT على المشاعر الإيجابية والرضا والنية السلوكية المستقبلية لدى مستخدميه في سياق السفر.

اعتمدت الدراسة على عينة من 293 مستخدمًا استخدموا ChatGPT فعليًا في تخطيط رحلاتهم خلال الاثني عشر شهرًا الماضية، بعد عملية اختيار صارمة لضمان أن الاستخدام مرتبط باتخاذ قرار حقيقي. النتيجة الأكثر دلالة أن المنفعة المتصوّرة وسهولة الاستخدام كانتا العاملين الحاسمين في توليد المشاعر الإيجابية، وهي المشاعر التي تقود بدورها إلى الرضا ثم إلى نية الاستمرار وإعادة الاستخدام. في المقابل، لم تُظهر غزارة المعلومات أو التفاعل الشبه-الاجتماعي أثرًا ذا دلالة إحصائية. هذه النتيجة تؤكد أن المستخدم لا يستمر لأنه “أُقنع”، بل لأنه شعر بالراحة أثناء القرار.

هذا النمط لا يقتصر على السياحة. في قطاع الصحة، تشير تقارير McKinsey & Company (2024) إلى أن أدوات الذكاء الاصطناعي التي تشرح الخيارات العلاجية بلغة مبسطة رفعت مستويات الرضا بما يقارب 30%، بينما فشلت الأدوات التي أغرقت المستخدم بالمصطلحات رغم دقتها التقنية. العامل الحاسم كان سهولة الاستخدام وما يولده من إحساس بالطمأنينة. المنطق ذاته يظهر في الخدمات المالية، حيث يشير المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن المستخدمين يميلون للاستمرار مع الأدوات التي تختصر القرار بدل أن تضيف طبقات جديدة من التعقيد.

في السفر تحديدًا، يتضاعف هذا الأثر بسبب حساسية القرار وتكلفته النفسية والمالية. بيانات Google (Travel Insights 2025) تُظهر أن البحث القائم على الحوار أصبح من أسرع أنماط البحث نموًا في القطاع، وأن المستخدمين الذين يعتمدون على أدوات ذكية في التخطيط يُظهرون نية أعلى لإعادة الاستخدام مقارنة بمحركات البحث التقليدية. السبب لا يعود فقط إلى دقة التوصية، بل إلى تجربة التخطيط نفسها، حيث تتحول المنفعة وسهولة الاستخدام إلى مشاعر إيجابية، ثم إلى رضا، ثم إلى استمرارية.

وتعزّز هذه النتيجة ما توصّلت إليه في دراساتي السابقة في سلوك المستخدم الرقمي، والتي أكدت أن Perceived Usefulness تؤثر مباشرة على Continuance Intention، وأن القبول الاجتماعي أو الضغط الاجتماعي Social Pressure / Social Influence يلعب دورًا داعمًا في ترسيخ هذا السلوك. الاستمرارية لا تُبنى فقط على الأداء التقني، بل على شعور المستخدم بأن الأداة مفيدة، ممتعة، ومقبولة في محيطه. لهذا تنتشر بعض الأدوات بسرعة ثم تختفي، بينما تستمر أخرى بهدوء لأنها تصبح جزءًا طبيعيًا من نمط القرار اليومي.

في السياق السياحي السعودي، تكتسب هذه الدروس أهمية مضاعفة. فوفق تقارير منظمة السياحة العالمية، أصبح الانطباع المسبق قبل السفر عاملًا حاسمًا في تقييم الوجهة. ومع استهداف المملكة رفع أعداد الزوار وتنويع أنماط السياحة، فإن توظيف الذكاء الاصطناعي ينبغي أن ينطلق من فهم أن الرضا والاستمرارية لا يصنعهما المحتوى وحده، بل المنفعة، السهولة، والمتعة الذهنية أثناء القرار. هذا ينطبق على تخطيط العمرة والحج، وعلى السياحة الرياضية والترفيهية؛ فالمستخدم يريد أداة تفكّر معه وتُشعره بالثقة لا بالضغط.

الذكاء الاصطناعي AI وحده لا ينجح لأنه أذكى تقنيًا، بل لأنه إنساني وظيفيًا. عندما تُخفِّف التقنية عبء اتخاذ القرار، وتخلق تجربة مريحة وممتعة، يترسخ الرضا، وتتشكّل نية الاستمرار، ويثبّت القبول الاجتماعي هذا السلوك. في عالم تتزاحم فيه الخيارات، القيمة الحقيقية لم تعد في تقديم المزيد من المعلومات، بل في تسهيل الاختيار وجعل القرار تجربة إيجابية. هنا فقط تتحول الأداة الرقمية من منتج إلى شريك قرار.

Comments are closed.