Share the post "حقوق بث الدوري السعودي: كيف تُحوّل مليارات البث إلى صناعة جيل من المواهب الرياضية؟"
الرقم الذي يحتاج إلى سؤال حين تُعلن رابطة الدوري السعودي للمحترفين أن شركة ثمانية التابعة للمجموعة السعودية للأبحاث والإعلام، قد فازت بحقوق البث الحصرية لمسابقات كرة القدم السعودية بقيمة إجمالية تبلغ 2.32 مليار ريال على مدار ستة مواسم تمتد من أغسطس 2025 حتى نهاية موسم 2030/2031 فإن أول ما يسترعي الانتباه هو الرقم. لكن السؤال الأجدر بالاهتمام ليس كم يساوي العقد، بل: ماذا سيصنع؟
العقد يشمل الدوري السعودي للمحترفين، وكأس خادم الحرمين الشريفين، وكأس السوبر، ودوري الدرجة الأولى، مع حقوق الاستغلال التجاري في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ويمثّل ارتفاعاً بنحو 29% عن العقد السابق، وهو رقم يعكس نمواً حقيقياً في قيمة المنتج الكروي السعودي. غير أن التجارب الدولية تعلّمنا شيئاً واحداً بوضوح: المال وحده لا يصنع منظومة مواهب. ما يصنعها هو ربط هذا المال بالحوافز الصحيحة، وتحويله من دخل تشغيلي إلى استثمار بناء وتنمية واستدامة.

هنا، وليس في بند الأرقام، يكمن الامتحان الحقيقي.
ألمانيا: حين تُصبح دقائق الشباب قيمةً مالية محسوسة
في الدوري الألماني، لا تُوزَّع عوائد حقوق البث بين الأندية استناداً فقط إلى النتائج الرياضية أو أرقام المشاهدة. هناك بند مستقل يُخصَّص له 4% من إجمالي التوزيع السنوي، ما يتجاوز عشرات الملايين من اليوروهات، يُخصَّص لتطوير المواهب: ثلثاه يُحسبان وفق دقائق لعب اللاعبين دون الثالثة والعشرين خلال الموسم، والثلث الآخر وفق جودة الاستثمار في الأكاديميات.
الفكرة في جوهرها بسيطة وعميقة في آن: لا تكتفِ بالحديث عن أهمية اللاعب الشاب، بل حوّل مشاركته إلى قيمة مالية محسوسة داخل ميزانية النادي. حين يعلم مدير النادي أن كل دقيقة يلعبها لاعب دون الثالثة والعشرين تنعكس مباشرة على حصة النادي في التوزيع السنوي، تتغير الحسابات، وتنفتح الأبواب التي كانت موصدة أمام المواهب الصاعدة.
لا نطلب نقل الفكرة بحذافيرها الى الدوري السعودي، بل استيعاب فلسفتها: يجب أن يكون اللاعب المحلي الصاعد عنصراً في المعادلة المالية للنادي، لا مجرد التزام وطني يُستذكر في المناسبات.
هولندا: الحل في البنية، لا في المكافأة وحدها
النموذج الهولندي يتجاوز فكرة مكافأة النادي الذي يمنح الشاب دقائق لعب، ليذهب إلى ما هو أعمق: جعل وجود أكاديمية تطوير شبابي شرطاً أساسياً لترخيص الأندية، مع دعم استمرار فرق تحت الثالثة والعشرين في المنافسة على مستوى الدرجة الثانية، حتى لا ينقطع المسار بين الأكاديمية والفريق الأول.
هذا المدخل يمسّ مباشرة واحدة من أبرز أزمات المواهب السعودية. فالمشكلة في كثير من الأحيان ليست في اكتشاف اللاعب مبكراً، بل في الفجوة الواسعة بين المراحل السنية والاحتراف الفعلي. يخرج الشاب من بيئة الأكاديمية ليجد نفسه وجهاً لوجه أمام محترف أجنبي مكتمل الأدوات، دون أن يكون قد مرّ بمرحلة انتقالية تؤهله لهذا المستوى.
الهولنديون فهموا أن الموهبة لا تضيع فقط بسبب ضعف التدريب، بل أحياناً بسبب غياب ‘المسار الثاني’: ذلك الفضاء التنافسي الحقيقي الذي يهيّئ اللاعب لمواجهة عالم الاحتراف باطمئنان.
الولايات المتحدة: بنية الانتقال أهمّ من العقود الطويلة
اللافت في تجربة دوري MLS الأمريكي أنه لم يعتمد فقط على تطوير الأكاديميات، بل صنع آلية ‘اللاعب ابن النادي’ (Homegrown Player Rule) التي تتيح للأندية التعاقد مع مواهبها المحلية مباشرة دون المرور بإجراءات التخصيص التقليدية. وتكتمل الصورة بمسار موازٍ عبر دوري MLS NEXT Pro، حيث تتنافس الفرق الاحتياطية لأندية الدوري الرئيسي، مما يمنح اللاعب الشاب دقائق لعب احترافية حقيقية دون أن يخرج من المنظومة الفنية لناديه.
النتيجة؟ سجّل الدوري الأمريكي في السنوات الأخيرة أرقاماً متصاعدة في مشاركة اللاعبين الصاعدين من الأكاديميات، وباتت نسبتهم تتجاوز 20% من إجمالي من ظهروا في مباريات الدوري خلال مواسم متعاقبة.
الدرس هنا ليس تقليد التجربة الأمريكية حرفياً، بل استيعاب المبدأ الجوهري: تطوير الموهبة يحتاج بنية انتقال مرنة بين الفريق الأول والفريق الرديف والإعارة، لا مجرد عقود طويلة تُودَع في أدراج الدكة.
اليابان: حين يصبح تطوير الموهبة هوية النادي لا عبئاً على المدرب
في الدوري الياباني J-League، تجاوز الأمر حدود اللوائح المالية ليصبح جزءاً من هوية المنظومة برمّتها. فضلاً عن اشتراطات الترخيص المرتبطة بوجود أكاديميات، يمنح الدوري جوائز متخصصة لأفضل نادٍ في تطوير المواهب، بما يعني أن التقدير المؤسسي لا يذهب حصراً لصاحب المركز الأول في الترتيب، بل يمتد إلى صاحب أفضل مسار لإنتاج اللاعبين.
هذا التحول الثقافي مهم: حين تتحول أكاديمية النادي من بند في الميزانية إلى ميزة تنافسية وسمعة مؤسسية، يتغير موقف الإدارة والجهاز الفني منها بالكامل. لم يعد تطوير الموهبة عبئاً على كاهل المدرب، بل صار جزءاً من مشروع النادي الذي يُمثّل هويته ويُحدّد مكانته.
كوريا الجنوبية: حين تُلزم اللوائح ما لا تستطيع الرغبة وحدها تحقيقه: قاعدة تشترط وجود لاعبين دون الثانية والعشرين في قائمة المباراة، دافعةً الأندية إلى إشراك العنصر الشاب بدلاً من الاكتفاء بتكديس الأسماء الجاهزة. وحتى مع تعديل تفاصيلها لاحقاً، فإن الفلسفة الكامنة خلفها تظل صحيحة: إذا لم توجد لوائح تخلق حافزاً أو ضغطاً معقولاً، فإن كثيراً من الأندية ستعود تلقائياً إلى الخيار الأسهل، اللاعب الأكثر جاهزية الآن، حتى لو أضعف ذلك قاعدة المواهب بعد ثلاث سنوات.
السؤال ليس هل يحتاج الدوري السعودي إلى قاعدة مماثلة بالضبط، بل هل توجد آلية، مالية أو تنظيمية، تجعل إشراك اللاعب السعودي الشاب خياراً مربحاً لا مجرد واجب تطوعي.
أستراليا: عقود تدرّجية وبنية اكتشاف وطنية
تكتسب التجربة الأسترالية أهمية خاصة للسياق السعودي، لأنها تتعامل مع إشكالية التفاوت الجغرافي في اكتشاف المواهب وتطويرها. فضلاً عن عقود scholarship (المنح) للاعبين الصاعدين التي تتيح دخول البيئة الاحترافية تدريجياً دون تحميل النادي كلفة كاملة منذ البداية، أطلق الاتحاد الأسترالي مشروعاً وطنياً لتطوير المواهب بالتعاون مع FIFA لمعالجة الفجوات في الاكتشاف على مستوى البلاد.
جزء من التحدي السعودي ليس في نقص الإنفاق، بل في الحاجة إلى أدوات تعاقدية أكثر ذكاءً تسمح بالتجريب والتدرج والتقييم المرحلي، بدلاً من القفز مباشرة إلى عقد احترافي كامل أو عدمه.
الصيغة السعودية: بين ما يُتاح وما يجب أن يُبنى
يطرح عقد ثمانية فرصة نادرة لإعادة هندسة العلاقة بين حقوق البث وتطوير المواهب. لكن هذا لن يتحقق تلقائياً. ما يُحدد مساره الحقيقي هو كيفية توزيع العوائد وربطها بحوافز ملموسة.
الصيغة الأنسب للسياق السعودي، استناداً إلى التجارب السابقة، تقوم على ثلاثة محاور:
أولاً، حوافز مرتبطة بدقائق اللعب: تخصيص نسبة واضحة من التوزيع السنوي تُحسب وفق دقائق لعب اللاعبين السعوديين دون الثالثة والعشرين، على غرار النموذج الألماني، لتحويل المشاركة من التزام رمزي إلى قيمة مالية محسوسة داخل ميزانية النادي.
ثانياً، معيار جودة الأكاديمية: اشتراط أن يُثبت كل نادٍ وجود برنامج تطوير شبابي معتمد وقابل للقياس كما هو في أكاديمية مهد، ويمكن ان يكون على غرار نموذج الترخيص الآسيوي والهولندي، يشمل مؤهلات الكوادر التدريبية ومنهجية العمل الفني، لا مجرد وجود فريق أكاديمية بالاسم.
ثالثاً، مسار انتقالي فعّال: دعم دوري الدرجة الأولى وتطوير آليات الإعارة المنظمة لتكون جسراً حقيقياً بين الأكاديمية والفريق الأول، مستوحاةً من تجربة MLS NEXT Pro وتجربة الدرجة الثانية الهولندية.
كذلك يفتح الشريك الإعلامي الرقمي باباً إضافياً لم تستثمره كثير من الدوريات: تحويل رحلة الموهبة إلى منتج سرد قصصي وتسويقي، من خلال الوثائقيات والمحتوى خلف الكواليس وقصص الصعود والنجاح والتعلم، مما يرفع قيمة اللاعب ويُقرّبه من جمهور يبحث عن قصص حقيقية، لا مجرد نتائج. غير أن ذلك يستلزم وضوحاً تاماً في الشفافية والحقوق بين الجهات الداعمة والأندية في، حتى لا تُسحب من الأندية مساحات كانت قادرة على تنميتها ذاتياً.
الفرص والاستفادة من تجارب عالمية في تحويل حقوق البث إلى استثمار سيادي،
ستة أعوام و2.32 مليار ريال هي فرصة لا تتكرر كثيراً. التجارب من ألمانيا وهولندا واليابان والولايات المتحدة وكوريا الجنوبية وأستراليا تقول شيئاً واحداً بلغات مختلفة: الموهبة لا تتطور بالنيات الحسنة، ولا بحجم الأرقام المُعلنة في البيانات الرسمية. تتطور حين تُربط الحقوق المالية بآليات واضحة تمنح الشاب دقائق لعب حقيقية، ومساراً انتقالياً مدروساً، ومدرباً مؤهلاً، وعقداً يناسب مرحلته.
السؤال الذي ينبغي أن يُطرح الآن، وليس بعد خمس سنوات او قبل استضافة كأس العالم 2034، هو: ما نسبة هذا الدخل التي ستتحول إلى بنية تطوير معتمدة وقابلة للقياس؟
هنا فقط يتحول عقد ثمانية من حدث إعلامي إلى لحظة تأسيسية في تاريخ الاقتصاد الرياضي السعودي.




