بعوضة تكشف حقيقة العلاقات الإنسانية

حياتنا بين كن فيكون.. نعمل ونخطط ونكون بكامل صحتنا ونشاطنا وأناقتنا وعطائنا وفجأة يتغير الحال لأسباب غير متوقعة أو مأخوذة في الحسبان، وهذا ما حصل معي فبدون أي مقدمات أو سابق إنذار وبسبب ارتفاع في درجة الحرارة انتقلت الى طوارئ المستشفى وتقابلت مع أناس من أعمار وجنسيات وطبقات مختلفة لا يجمعنا في هذا المكان سوى المعاناة والآلام الجسدية التي آنستنا جميعا من نكون وإلى أي فئة عمرية وطبقة اجتماعية ننتمي، ألم يجعل كل شيء بلا قيمة وبلا أهمية، فلا مال ولا منصب ولا مظهر يهم فالكل بلا استثناء  يطلب العون من الله ويلقي بثقته في رحمة الله ثم في خبرات الأطباء المعالجين.

هذا هو حالنا في المستشفيات بين مريض يعاني وشركة تأمين لا تبالي بألم المريض وحالته النفسية فلم يأذن لي بالانتفال من قسم الطوارئ إلى قسم التنويم إلا بعد أكثر من ستة ساعات عانيت فيها ألم المرض وألم انتظار قرار الموافقة من شركة التأمين رغم إقرار الجميع بالحالة الصحية الحرجة التي أمر بها واستحالة خروجي من المستشفى.

انتقلت من الطوارئ إلي غرفة العزل (306)، وأنا أرجو رحمة الله بأن يمن علي باستقرار حالتي وأن يفتح على الأطباء لتحديد الداء والدواء. في هذه الفترة الحرجة ومن غرفة العزل كنت استرق بعض النظرات حين تسمح لي الحرارة وشدة ألم الجسد بالنظر من نافذة الغرفة لأشاهد الازدحام حول المستشفى الذي يستمر كل يوم لوقت متأخر من الليل فأشعر بأن الناس بخير والمجتمع يفيض بالرحمة والتكاتف وأشعر بأمان أن المرضى بالمستشفيات يتلقون العلاج المعنوي من هذه الزيارات ليعمل جنبا بجنب مع العلاج والدواء الذي يقدمه الأطباء.

من خلال جدران غرفتي كنت أسمع أنين المريض بالغرفة المجاورة فأحمد الله على أن حالي أفضل من حاله. ثم أسمع بكاء وألم الطفل في الغرفة المجاورة الأخرى فيعتصرني الألم عطفا عليه. عند نزولي لقسم الأشعة مررت بصالات الانتظار حول غرف العناية المركزة وشاهدت تشتت حالة الأهالي وانكسارهم وسمعت دعواتهم فحمدت الله على الصحة والعافية رغم شدة الألم التي كنت أشعر به.

حالة المرض والبقاء بالمستشفى لمدة طويلة هي فرصة عظيمة لمراجعة النفس والنظر للأمور وإعادة ترتيب الأولويات وخصوصا علاقاتنا الاجتماعية.

في مرضك لن يكون حولك إلا أهلك وأقاربك المقربين الذين يتألمون لألمك ويدعون لك بصدق وحب، ويقدمون الدعم المعنوي الذي يعتبر بلسم لروحك. وهناك الأصدقاء الذين يحسون بغيابك فيبادر الصديق بالسؤال عنك وعن سبب غيابك فيدعون لك في ظهر الغيب. أما اصدقاء وسائل التواصل الاجتماعي العالم الوهمي الذي إن غبت لم يحس أحد بغيابك، فلا تقلق ولا تنتظر من أحد أن يسأل عنك فهو عالم له مصالحه واهتماماته والسؤال فيه يكون لطبقات مجتمعية ومشاهير فهو عالم تتفاوت فيه معاني الإنسانية وله مقايس ومعايير مختلفة.

بعوضة تكشف حقيقة المجتمع الوظيفي وما يسمى بكذبة أصدقاء العمل فقد تسبب لي بصدمة كبرى وتسأل مؤلم. فكيف لمجتمع وظيفي يظن أنه إيجابي وفعال يغيب فيه موظف لمدة طويلة تزيد عن أسبوعين بدون أن يبادر أي شخص من هذا المجتمع الوظيفي بالسؤال ولو بالمجاملة عن سبب غياب هذا الموظف الذي يشترك معهم في المكان ولو من باب الإنسانية والفطرة السليمة، فالإنسانية والرحمة تبقى كجزء من قيم الإنسان ومن سمات المجتمع الفعال.

لا يخلق بيئة العمل الفعالة المحفزة على العطاء والابداع الا مؤسسات ناجحة تنتقي قادتها الذين يوازنون بين سمات القائد الناجح وسمات الفطرة الإنسانية السليمة فالقيادة الناجحة تشمل الأصالة والأخلاق وفن التعامل المصبوغ بالتواضع.

أما العطاء الحقيقي فتجده في أروقة المستشفيات مع ملائكة الرحمة الذين تختلف عقائدهم وألوانهم وجنسياتهم ولغاتهم وتوحدهم القيم والرحمة الإنسانية وجل اهتمامهم راحة المريض. كلهم فرضوا علينا احترامنا وتقديرنا لهم من عاملة النظافة التي تعمل على مدار الساعة تُعرِض نفسها لمخاطر الأوبئة وليس لها هم سوى راحة المريض وسلامته. الممرضات ودورهن العظيم بالعمل تحت الضغط والتعامل مع المرضى وفروقاتهم الاجتماعية واختلاف حالاتهم النفسية وفئاتهم العمرية بين الكبير والطفل والرضيع، يشاهدن مناظر مؤلمة لكنهن يملكن همم عالية تعينهن على الصبر والتحمل لإدخال البهجة على المريض وعائلته ليل نهار.

المريض يتعلق بعد الله في خبرة وعلم الطبيب والاستماع لكل كلماته بترقب وحذر لأنها طوق النجاة الذي يتمسك به بعد الله.

لا ننسى أن الطب مهنة النبلاء لا يهم فيها لا لون ولا عرق ولا دين، المهم هي الخبرة والممارسة والإنسانية. لذلك يبقى الفخر بوجود الكفاءات من الكوادر الطبية السعودية المميزة في كل التخصصات. شكرا لأعضاء الفريق الطبي بقيادة الاستشارية السعودية الدكتورة مشيرة العناني الحائزة على جائزة الأميرة نورة للتميز النسائي، والدكتورة رابينا قادري.

أعود إلى لحظات الألم وتقليب الصفحات بين الماضي والمستقبل بعد فترة العزل في الغرفة 306 من ثم الانتقال لغرفة 314، حينها تفكرت فتعلمت فتأكدت يقينا بأنه نحن من نقرر من يستحق أن نعطيه شيء من اهتمامنا. نعم، طبيعة الإنسان أن يحب ويكره.. لكن الفطرة الإنسانية السليمة أن “نحترم” من نحب ومن نكره حتى إن كان لا يقع ضمن من قائمة اهتمامنا.

أخيراً، شكرا لزوجتي رفيقة دربي التي أتت مباشرة من لندن عاصمة الضباب إلى الرياض عاصمة الحب والسلام لتشاركني وترافقني كل لحظات الألم في المستشفى من غرفة العزل والانتظار لحين قرار خروجي من المستشفى.

وفي الختام، شكرا لبعوضة الضنك التي علمتني درسا في حقيقة العلاقات الإنسانية.

ومضة:
‏أجمل ما في الإنسانية قِيَمها … لنحافظ على سلامة فطرة قِيَمِنا.

 

المصدر: صحيفة عناوين

Comments are closed.

  • Facebook
  • LinkedIn
  • Twitter
  • Flickr
  • YouTube
Please Fill Out The YT (Youtube) Slider Configuration First